سياسة علي الزيدي في ظل حملة الاعتقالات: قراءة في الأبعاد الاستراتيجية وتحولات ميزان القوة

سياسة علي الزيدي في ظل حملة الاعتقالات: قراءة في الأبعاد الاستراتيجية وتحولات ميزان القوة

د. علي العكيلي
لا يمكن قراءة حملة الاعتقالات التي تنفذها حكومة علي الزيدي بوصفها مجرد إجراءات قانونية لملاحقة متهمين بالفساد، بل ينبغي النظر إليها ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة ومراكز النفوذ التي تراكمت خلال العقدين الماضيين. فالدولة العراقية تقف اليوم أمام معادلة دقيقة: إما أن تستعيد احتكارها لسلطة القرار وتفرض سيادة القانون، أو تبقى رهينة شبكات المصالح التي تقيد قدرتها على الإصلاح.

استراتيجيًا، تحمل حملة الاعتقالات ثلاثة أهداف محتملة. الأول هو إعادة بناء شرعية الدولة، ليس عبر الخطاب السياسي، وإنما عبر إظهار قدرتها على مساءلة شخصيات نافذة كانت تُعد سابقًا خارج نطاق المحاسبة. فالدول لا تُقاس بقوة مؤسساتها الأمنية وحدها، وإنما بقدرتها على إخضاع جميع الفاعلين للقانون دون استثناء.

أما الهدف الثاني، فيتمثل في إعادة هندسة موازين القوى داخل النظام السياسي. ففي الأنظمة التوافقية، لا تكون أدوات القوة عسكرية أو انتخابية فقط، بل تشمل النفوذ الإداري والاقتصادي والقضائي. وإذا جاءت الاعتقالات ضمن مشروع مؤسسي شامل، فقد تعيد توزيع مراكز التأثير لمصلحة مؤسسات الدولة. أما إذا اتسمت بالانتقائية، فقد تُفسر باعتبارها أداة في الصراع السياسي، وهو ما قد يضعف مشروع الإصلاح.

الهدف الثالث يرتبط بالبيئة الإقليمية والدولية. فالعراق يتحرك ضمن شبكة معقدة من التوازنات، ويواجه ضغوطًا تتعلق بالإصلاح الاقتصادي، وجذب الاستثمار، وتعزيز الشراكات الدولية. وفي هذا السياق، فإن نجاح الحكومة في ترسيخ سيادة القانون يمكن أن يعزز صورة الدولة كشريك أكثر استقرارًا، بينما قد يؤدي غياب الشفافية أو استقلال القضاء إلى نتائج معاكسة.

على المستوى الداخلي، لا يكفي تنفيذ الاعتقالات لتحقيق تحول سياسي. فالتحول الحقيقي يتطلب إصلاحًا مؤسسيًا يضمن استقلال القضاء، ويمنع تكرار أنماط الفساد، ويعزز الرقابة المالية والإدارية. فالتجارب المقارنة تشير إلى أن حملات مكافحة الفساد تحقق أثرًا مستدامًا عندما تقترن بإصلاحات هيكلية، لا عندما تقتصر على إجراءات أمنية أو إعلامية.

وفي الوقت نفسه، يواجه رئيس الوزراء تحديًا يتمثل في الحفاظ على التوازن بين الحزم والاستقرار. فالإفراط في استخدام أدوات الدولة قد يثير مخاوف من تسييس العدالة، بينما قد يُفسَّر التراخي على أنه عجز عن تنفيذ الإصلاح. ومن ثم فإن معيار النجاح لا يكمن في عدد الاعتقالات، بل في قدرة الحكومة على تحويلها إلى جزء من منظومة قانونية مستقرة تحظى بثقة المجتمع.

سياسيًا، قد تسهم هذه المرحلة في إعادة صياغة العقد بين الدولة والمجتمع. فإذا شعر المواطن بأن القانون يُطبق على الجميع، فقد تستعيد الدولة جزءًا من شرعيتها المفقودة. أما إذا ترسخ الانطباع بأن العدالة انتقائية، فإن الثقة بالمؤسسات ستظل محدودة، حتى وإن حققت الحملة مكاسب سياسية قصيرة الأجل.

في المحصلة، تقف حكومة علي الزيدي أمام اختبار يتجاوز مكافحة الفساد بوصفها قضية جنائية، إلى اختبار يتعلق بطبيعة الدولة نفسها: هل تتجه نحو ترسيخ مؤسسات قوية تحكمها قواعد قانونية ثابتة، أم تبقى أسيرة التوازنات السياسية والظروف الآنية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل الحكومة فحسب، بل قد ترسم ملامح المرحلة السياسية العراقية لسنوات قادمة.

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.