الاتفاق الأمريكي الإيراني: هدنة مؤقتة أم إعادة رسم لخريطة الشرق الأوسط

*الاتفاق الأمريكي الإيراني: هدنة مؤقتة أم إعادة رسم لخريطة الشرق الأوسط؟*

الكاتب /د. علي العكيلي 
في السياسة الدولية، لا تُقاس الاتفاقيات بما يُكتب في بنودها فقط، بل بما تخفيه من موازين قوى ومصالح متعارضة. ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى الاتفاق الأمريكي الإيراني الجاري باعتباره مجرد تفاهم حول الملف النووي أو تخفيف للعقوبات، بل باعتباره لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط لعقد قادم.

فالولايات المتحدة وإيران لم تكونا يوماً خصمين تقليديين يخوضان نزاعاً محدوداً يمكن حله عبر طاولة مفاوضات. منذ الثورة الإيرانية عام 1979، تحوّل الصراع بين الطرفين إلى صراع على الهوية الإقليمية وموازين القوة. لذلك فإن أي تقارب بينهما يثير أسئلة تتجاوز الملف النووي لتصل إلى مستقبل النظام الإقليمي بأكمله.

من الجانب الأمريكي، يبدو أن واشنطن وصلت إلى قناعة استراتيجية مفادها أن سياسة الضغوط القصوى والعقوبات المتراكمة لم تنجح في إنهاء البرنامج النووي الإيراني، بل دفعت طهران إلى الاقتراب أكثر من العتبة النووية. كما أن الولايات المتحدة، المنهمكة في منافسة عالمية متصاعدة مع الصين وروسيا، لم تعد ترى في الشرق الأوسط الساحة الرئيسية لصراعها الدولي. ومن هنا، أصبح احتواء إيران أقل تكلفة من محاولة إخضاعها.

أما إيران، فتدخل المفاوضات من موقع مختلف عما كانت عليه قبل سنوات. فعلى الرغم من الضغوط الاقتصادية والعسكرية، نجحت في الحفاظ على بنيتها النووية، وأثبتت أنها لاعب لا يمكن تجاوزه في معادلات المنطقة. بالنسبة لطهران، لا يتمثل الهدف الرئيسي في رفع العقوبات فقط، بل في انتزاع اعتراف أمريكي غير مباشر بمكانتها كقوة إقليمية كبرى تمتلك حق التأثير في ملفات العراق وسوريا ولبنان والخليج.

لكن العقدة الحقيقية في هذا المشهد ليست واشنطن ولا طهران، بل إسرائيل.

إسرائيل تنظر إلى الاتفاق من زاوية تختلف جذرياً عن الرؤية الأمريكية. فبينما ترى واشنطن أن تقييد البرنامج النووي الإيراني وإخضاعه للرقابة الدولية يمثل نجاحاً استراتيجياً، ترى تل أبيب أن المشكلة لا تكمن في النشاط النووي الحالي فقط، بل في بقاء المعرفة النووية والبنية التحتية القادرة على إعادة إنتاج المشروع مستقبلاً.

من المنظور الإسرائيلي، أي اتفاق يسمح لإيران بالحفاظ على جزء من قدراتها النووية هو تأجيل للأزمة وليس حلاً لها. ولهذا السبب، تبدو إسرائيل الطرف الأكثر تشككاً في فرص نجاح التفاهمات الحالية. فصانع القرار الإسرائيلي يدرك أن الأموال التي قد تتدفق إلى إيران نتيجة تخفيف العقوبات يمكن أن تعزز قدراتها الاقتصادية والعسكرية، كما أن غياب معالجة حاسمة لملف الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني يثير مخاوف عميقة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

الأكثر أهمية أن إسرائيل تخشى أن يؤدي أي تقارب أمريكي إيراني إلى تراجع مركزيتها في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية. فمنذ عقود، كانت إيران تمثل أحد أهم مبررات الشراكة الأمنية العميقة بين واشنطن وتل أبيب. وإذا نجحت الولايات المتحدة في إدارة الخلاف مع إيران عبر الدبلوماسية، فإن ذلك سيقلل من قدرة إسرائيل على توجيه أولويات السياسة الأمريكية في المنطقة.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن إسرائيل ستقف عاجزة أمام الاتفاق. فمن المتوقع أن تستخدم نفوذها السياسي والأمني داخل الولايات المتحدة للضغط نحو تشديد آليات الرقابة والتفتيش، وربما السعي إلى فرض خطوط حمراء أكثر صرامة على البرنامج النووي الإيراني. لكنها تدرك في الوقت نفسه أن البيئة الدولية الحالية تختلف عن تلك التي واجهت الاتفاق النووي عام 2015، وأن واشنطن تبدو أكثر ميلاً إلى التهدئة وأقل استعداداً لخوض مواجهة مفتوحة جديدة في الشرق الأوسط.

في جوهره، يكشف الاتفاق الحالي عن حقيقة سياسية مهمة: لا الولايات المتحدة قادرة على كسر إيران، ولا إيران قادرة على إخراج الولايات المتحدة من المنطقة، ولا إسرائيل قادرة بمفردها على إنهاء المشروع النووي الإيراني. ولذلك تتجه الأطراف الثلاثة نحو إدارة الصراع بدلاً من حسمه.

إن ما نشهده اليوم ليس نهاية للصراع الأمريكي الإيراني، بل انتقالاً من مرحلة المواجهة المباشرة إلى مرحلة التنافس المنظم. أما إسرائيل، فستبقى تراقب بقلق كل خطوة في هذا المسار، لأنها تدرك أن أي اتفاق ينجح في تثبيت إيران كقوة إقليمية معترف بها دولياً سيُحدث تحولاً تاريخياً في ميزان القوى الذي حكم الشرق الأوسط لعقود.

وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الاتفاق سيصمد أم لا، بل ما إذا كان الشرق الأوسط يقف أمام بداية نظام إقليمي جديد تكون فيه إيران جزءاً من معادلة الاستقرار، أم أن الاتفاق ليس سوى استراحة قصيرة تسبق جولة أكثر خطورة من الصراع بين واشنطن وطهران وتل أبيب.

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.