حصر السلاح في العراق"من معضلة أمنية إلى مشروع للسيادة وإعادة بناء الدولة"
د. علي العكيلي
٣٠ أيلول ٢٠٢٦ حصر السلاح في العراق
"من معضلة أمنية إلى مشروع للسيادة وإعادة بناء الدولة"
دراسة استراتيجية المخاطر والخيارات والسياسات
-المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية وتحليل المخاطر والسياسات-
إن العراق اليوم يقف أمام لحظة وطنية مفصلية، تتجاوز الجدل التقليدي حول حصر السلاح بيد الدولة لتطرح سؤالًا أكبر وأعمق: كيف نستعيد السيادة العراقية كاملة، ونحوّل هذا التحدي إلى مشروع وطني جامع؟
إن طرح قضية حصر السلاح بمعزل عن الواقع الإقليمي المعقد، وفي منطقة ملتهبة تشهد انتهاكات مستمرة للسيادة العراقية، فإن المعالجة الوطنية الحقيقية لا يمكن أن تكون انتقائية، ولا يجوز أن تُوجَّه ضد طرف عراقي بينما تُترك بقية الانتهاكات والتجاوزات على السيادة دون معالجة.
إن المطلوب اليوم هو تحويل قضية حصر السلاح من أزمة إلى فرصة تاريخية لإطلاق مشروع سيادة عراقية كاملة وشاملة، فالعراق يقف أمام واحدة من أكثر القضايا حساسية في مسار بناء الدولة الحديثة: حصر السلاح بيد الدولة وتوحيد القرار الأمني والعسكري في ٩/٣٠، غير أن نجاح هذا المشروع أو فشله لن يتحدد بالقدرة المادية على جمع السلاح، وإنما بالطريقة التي ستتم بها إدارة العملية سياسياً وأمنياً واجتماعياً وإقليمياً.
فالخطأ الاستراتيجي هو التعامل مع حصر السلاح بوصفه عملية أمنية تستهدف جماعات محددة، لأن ذلك قد يحول مشروع الدولة إلى صراع جديد على القوة. أما المقاربة الأكثر واقعية واستدامة فتقوم على تحويل حصر السلاح إلى مشروع سيادة وطنية شامل، يهدف إلى بناء دولة قادرة على حماية جميع مواطنيها، وضمان حقوقهم، وامتلاك القرار الحصري في الحرب والسلم والأمن والدفاع والسياسة الخارجية.
لذلك تنطلق هذه الدراسة من فرضية رئيسية: كلما ارتبط حصر السلاح بالإقصاء السياسي ارتفعت كلفة تنفيذه، وكلما ارتبط ببناء دولة قوية وضمانات قانونية وسياسية شاملة زادت فرص نجاحه. وعليه، فإن المطلوب ليس مجرد “حصر السلاح”، بل إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والقوة والسياسة والمجتمع.
أولاً: لحظة عراقية تتطلب إعادة تعريف المشكلة ولم يعد السؤال الحقيقي هو: من يمتلك السلاح؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: من يمتلك القرار النهائي باستخدام القوة داخل العراق؟
فالسيادة في معناها الحديث لا تقتصر على العلم والحدود والاعتراف الدولي، وإنما تشمل قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها الأمنية والعسكرية والخارجية بصورة مستقلة.
ومن هذه الزاوية، فإن تعدد مصادر القوة المسلحة يمثل تحدياً مباشراً لمفهوم الدولة، حتى عندما تكون خلفية وجود هذه القوى مرتبطة بظروف تاريخية أو أمنية أو وطنية مفهومة.
لقد نشأت في العراق خلال مراحل مختلفة تشكيلات مسلحة في سياقات متعددة، بعضها ارتبط بمواجهة الإرهاب، وبعضها نشأ في ظروف الصراع السياسي والأمني، وبعضها ارتبط بالتوازنات الإقليمية.
لكن استمرار الظروف الاستثنائية إلى ما لا نهاية يحمل خطراً آخر ، هو أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة. وهنا تبدأ الدولة بفقدان جزء من قدرتها على احتكار القرار الاستراتيجي.
ثانياً: لماذا لا ينبغي اختزال حصر السلاح في “نزع السلاح”؟
مصطلح “نزع السلاح” قد يحمل في البيئة العراقية دلالة صدامية. أما مفهوم “حصر السلاح بيد الدولة” فيحمل معنى أكثر شمولاً:
● توحيد القيادة.
● توحيد القرار.
● توحيد قواعد الاشتباك.
● توحيد مصادر المعلومات.
● توحيد منظومة الأمن الوطني.
● إخضاع القوة للقانون.
● حماية الدولة والمواطن في الوقت نفسه. ولهذا فإن المشروع لا ينبغي أن يُبنى على فكرة: الدولة في مواجهة الفصائل، بل على فكرة "الدولة في مواجهة الفوضى، والدولة مظلة لجميع العراقيين".
وهذا التفريق ليس لغوياً، وإنما يمثل أحد شروط النجاح السياسي للمشروع.
ثالثاً: المعادلة الصعبة — السلاح مقابل الثقة ، فلا يمكن مطالبة أي طرف بالتخلي عن مصدر قوته إذا كان يعتقد أن تخليه عنها سيتركه مكشوفاً أمام خصومه. لذلك فإن المشكلة الأمنية تحتوي في جوهرها على مشكلة ثقة.
ومن هنا يجب أن تسير العملية في اتجاهين متوازيين:
الأول: تعزيز قدرة الدولة على حماية الجميع.
الثاني: توفير ضمانات قانونية وسياسية تمنع استخدام مشروع حصر السلاح كوسيلة للإقصاء أو الانتقام.
فالنجاح الحقيقي يحدث عندما يصبح التخلي عن السلاح المستقل عن الدولة أكثر أمناً وأقل كلفة من الاحتفاظ به.
وهذه هي المعادلة التي يجب أن يبنى عليها المشروع.
رابعاً: السيادة العراقية لا تعني الانحياز ضد أحد، فمن الأخطاء المحتملة تحويل مشروع السيادة إلى خطاب عدائي تجاه دولة إقليمية أو دولية.
خامساً: المخاطر الاستراتيجية، فأي مشروع لحصر السلاح يمكن أن يواجه خمسة مخاطر رئيسية:
1. خطر التصعيد الداخلي:
إذا شعر طرف سياسي أو اجتماعي بأن المشروع يستهدف وجوده أو نفوذه، فقد ينتقل الخلاف من المجال السياسي إلى المجال الأمني.
2. خطر الفراغ الأمني، التفكيك السريع دون وجود بديل مؤسسي قادر على حماية المناطق والمجتمع قد ينتج فراغاً أمنياً.
3. خطر التدخل الخارجي، كلما ارتفعت حدة الصراع الداخلي، زادت قدرة القوى الخارجية على التأثير في مساره.
4. خطر الانقسام المجتمعي، ربط السلاح بمكون أو طائفة أو منطقة سيحول قضية الدولة إلى قضية هوية، وهي أخطر نقطة يمكن الوصول إليها.
5. خطر فقدان الثقة بالدولة، إذا لم يشعر المواطن بأن الدولة قادرة على توفير الأمن والعدالة والخدمات، فإن احتكارها للقوة قد يُنظر إليه باعتباره سلطة لا دولة.
سادساً: الفرصة الاستراتيجية فرغم هذه المخاطر، فإن الملف نفسه يمكن أن يتحول إلى فرصة تاريخية. فحصر السلاح يمكن أن يكون المدخل إلى: إعادة بناء المؤسسة العسكرية وتطوير الأمن الوطني وضبط الحدود وإعادة تعريف العقيدة الدفاعية وتقوية القرار السياسي وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والقوى السياسية وإعادة صياغة السياسة الخارجية العراقية.
وهنا يتحول السلاح من مشكلة منفردة إلى بوابة لإصلاح الدولة.
سابعاً: السيناريوهات المحتملة حتى عام 2030
السيناريو الأول: بناء السيادة تدريجياً — السيناريو الأفضل، فتبدأ الدولة بحوار وطني واسع، ثم إصلاح قانوني ومؤسسي، ثم إعادة تنظيم تدريجية للقوى المسلحة، بالتزامن مع تعزيز قدرات الدولة. فالنتيجة المتوقعة: هي انخفاض تدريجي في ازدواجية القوة والقرار، وارتفاع شرعية الدولة.
درجة المخاطر: منخفضة ـ متوسطة.
السيناريو الثاني: التسوية الجزئية
فيتم التوصل إلى تفاهمات سياسية تسمح بضبط جزء من السلاح، مع استمرار وجود مراكز قوة خارج السيطرة الكاملة للدولة.
النتيجة: هي استقرار مؤقت، لكن المشكلة الأساسية تبقى قائمة. درجة المخاطر: متوسطة.
السيناريو الثالث: التأجيل المستمر
فيبقى الملف في إطار التصريحات والمفاوضات دون انتقال حقيقي إلى التنفيذ.
النتيجة: هي استمرار ازدواجية القرار وعودة الأزمة عند كل أزمة إقليمية. درجة المخاطر: مرتفعة على المدى البعيد.
السيناريو الرابع: المواجهة، فيتم الانتقال بصورة مباشرة وسريعة إلى فرض حصر السلاح دون بناء توافق سياسي أو ضمانات كافية.
النتيجة المحتملة: هي تصعيد أمني، انقسام سياسي، تدخلات خارجية، وربما إعادة إنتاج الصراع الداخلي. درجة المخاطر: شديدة جداً.
ثامنا: خارطة الطريق المقترحة
المرحلة الأولى: بناء التوافق
يجب أن تسبق الإجراءات الميدانية عملية سياسية واضحة تؤسس لمفهوم مشترك للسيادة. ويجب أن يتفق العراقيون على أن: السلاح للدولة، والقرار للدولة، والحماية لجميع المواطنين.
المرحلة الثانية: بناء الضمانات
لا يمكن نجاح المشروع دون ضمانات تمنع استخدامه لتصفية الحسابات السياسية. ويشمل ذلك:
● ضمانات قانونية.
● ضمانات سياسية.
● آليات رقابة مستقلة.
● وضوح في مراحل التنفيذ.
● معالجة أوضاع الأفراد المنضوين في تشكيلات مسلحة وفق القانون.
المرحلة الثالثة: إعادة التنظيم
تبدأ الدولة بإعادة تنظيم الوضع العسكري والأمني وفق معايير مهنية واضحة، بما يسمح بالانتقال من تعدد مراكز القوة إلى منظومة وطنية واحدة.
والهدف هنا ليس الإقصاء، وإنما:
تحويل القوة من أداة مستقلة إلى قوة مؤسسية وطنية.
المرحلة الرابعة: تثبيت السيادة
بعد اكتمال المراحل السابقة، يصبح بالإمكان الانتقال إلى تثبيت مبدأ أن:
لا قرار للحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة.
ولا يجوز استخدام الأراضي العراقية لشن عمليات ضد دول أخرى، كما لا يجوز لأي دولة أجنبية استخدام العراق كساحة لتصفية حساباتها. وهذا هو المعنى الكامل للسيادة.
تاسعا: مؤشرات الإنذار المبكر، لضمان عدم انحراف المشروع، يقترح المركز مراقبة مجموعة من المؤشرات:
● ارتفاع الخطاب السياسي التحريضي.
● زيادة التحشيد العسكري.
● ظهور تشكيلات مسلحة جديدة.
● تراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية.
● تصاعد التدخلات الخارجية.
● استهداف المنشآت الحكومية.
● ارتفاع حدة الخطاب الطائفي.
● انهيار قنوات الحوار السياسي.
ويمكن اعتبار اجتماع ثلاثة أو أكثر من هذه المؤشرات في فترة قصيرة إنذاراً مبكراً بارتفاع مخاطر التصعيد.
عاشرا: العقيدة الجديدة المطلوبة
العراق بحاجة إلى الانتقال من مفهوم “إدارة التوازنات” إلى مفهوم الأمن القومي العراقي.
وهذا يتطلب عقيدة تقوم على ستة مبادئ:
1. العراق ليس ساحة حرب لأحد.
2. الأراضي العراقية ليست منصة لتهديد الآخرين.
3. القرار العسكري قرار وطني.
4. حماية المواطنين مسؤولية الدولة.
5. العلاقات الخارجية تقوم على المصالح لا المحاور.
6. القوة الشرعية هي القوة التي تعمل تحت القانون والدستور.
هذه المبادئ يمكن أن تشكل أساساً لعقيدة أمن قومي عراقية أكثر استقلالاً وواقعية.
الحادي عشر: التقدير الاستراتيجي للمركز:
يرى المركز أن أكبر خطأ يمكن ارتكابه هو محاولة حل مشكلة السلاح بمعزل عن مشكلة الدولة.
فالدولة القوية هي التي تستطيع أن تجعل احتكار القوة نتيجة طبيعية لثقة المجتمع بها.
ولهذا فإن نجاح مشروع حصر السلاح يتطلب أن تتحرك الدولة في ثلاثة مسارات متزامنة:
١- مسار أمني: بناء قدرة الدولة.
٢- مسار سياسي: إنتاج توافق وطني.
٣- مسار اقتصادي واجتماعي: معالجة الظروف التي تنتج الحاجة إلى القوى غير الرسمية.
ومن دون هذه المسارات، فإن أي نجاح أمني مؤقت قد لا يتحول إلى استقرار دائم.
الثاني عشر: ماذا ينبغي أن تفعل بغداد؟
يقترح المركز اعتماد عشر توصيات استراتيجية:
1. إعلان حصر السلاح مشروعاً وطنياً لا مشروع حكومة أو حزب.
2. إطلاق حوار وطني حول السيادة والأمن القومي.
3. وضع إطار قانوني واضح ومعلن للمراحل الانتقالية.
4. عدم ربط المشروع بمكون أو طائفة أو حزب.
5. تعزيز القوات المسلحة والأجهزة الأمنية قبل أي إجراءات تفكيكية واسعة.
6. وضع برامج لإعادة التنظيم والتأهيل والدمج وفق القانون.
7. حماية القرار العراقي من التدخلات الخارجية.
8. تطوير عقيدة أمن قومي عراقية مستقلة.
9. إنشاء منظومة إنذار مبكر لمخاطر التصعيد الداخلي.
10. تحويل ملف السيادة إلى مشروع دولة طويل الأمد يتجاوز الحكومات المتعاقبة.
الخاتمة:
إن العراق لا يحتاج اليوم إلى معركة جديدة على السلاح بقدر حاجته إلى مشروع جديد للدولة.
فحصر السلاح ليس هدفاً بذاته، وإنما وسيلة للوصول إلى دولة واحدة، وقرار واحد، ومؤسسات واحدة، وسيادة واحدة.
ولهذا فإن نجاح المشروع لا يقاس بعدد الأسلحة التي تم جمعها، وإنما بمدى قدرة الدولة العراقية على الوصول إلى مرحلة يصبح فيها وجود السلاح خارج مؤسساتها أمراً غير ضروري وغير مقبول وغير قابل للاستمرار.
إن تحويل حصر السلاح من أزمة إلى فرصة يتطلب شجاعة سياسية من نوع مختلف، شجاعة لا تقوم على الإقصاء أو المواجهة، وإنما على بناء دولة قادرة على طمأنة الجميع.
والعراق لا ينبغي أن يختار بين نفوذ هذا الطرف أو ذاك. بل ينبغي أن يختار العراق.
لا ينبغي أن تكون بغداد ساحة لتصفية الصراعات. بل ينبغي أن تكون عاصمة دولة قادرة على إدارة علاقاتها مع الجميع من موقع الندية والمصلحة الوطنية.
ومن هنا فإن المشروع الحقيقي ليس:
“حصر السلاح” بل: “بناء دولة تجعل السلاح للدولة، والقرار للعراق، والسيادة للشعب.” وهذه ليست مجرد سياسة أمنية.
إنها مشروع لإعادة تأسيس الدولة العراقية
أضف تعليق