إقالة كريم خان من منصبه كمدعي عام في المحكمة الجنائية الدولية
"إقالة كريم خان من منصبه كمدعي عام في المحكمة الجنائية الدولية".
د. علي العكيلي
كريم خان… هل كانت تهمته الحقيقية أنه اقترب من نتنياهو؟
في عالمٍ يُقال فيه إن العدالة فوق الجميع، يبرز سؤالٌ مؤلم: ماذا يحدث عندما تقترب العدالة من الأقوياء؟
كريم أحمد خان، المحامي البريطاني المتخصص في القانون الجنائي الدولي، انتُخب في 12 شباط/فبراير 2021 مدعيًا عامًا للمحكمة الجنائية الدولية، وتسلّم مهامه رسميًا في 16 حزيران/يونيو 2021 لمدة تسع سنوات، خلفًا للمدعية العامة فاتو بنسودا، وخلال مسيرته، قاد ملفات دولية معقدة، أبرزها التحقيق في جرائم تنظيم داعش، ثم قضايا أوكرانيا وغزة، حتى أصبح أحد أكثر الشخصيات القانونية إثارةً للجدل في العالم.
لكن التحول الحقيقي في مسيرته لم يكن مع روسيا أو داعش، بل عندما قرر أن يطرق بابًا ظل مغلقًا لعقود… باب المساءلة القانونية لإسرائيل.
عندما طلب كريم خان إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين، لم يكن القرار مجرد إجراء قانوني، بل كان زلزالًا سياسيًا هزّ عواصم العالم. للمرة الأولى، وجد حليف الغرب الأقرب نفسه أمام احتمال الملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية.
تعرض خان لهجوم سياسي وإعلامي واسع، وواجهت المحكمة حملة غير مسبوقة من الضغوط والانتقادات، كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على خان بسبب تحركات المحكمة المتعلقة بإسرائيل.
ثم جاءت الاتهامات الشخصية،
فالرواية الرسمية تقول إن عزله جاء بعد تحقيق في اتهامات بسوء السلوك، وصوّتت غالبية الدول الأعضاء على إنهاء ولايته قبل إكمالها، بينما نفى خان تلك الاتهامات وأعلن عزمه الطعن في القرار.
لكن السياسة لا تكتفي بالروايات الرسمية.
فالتوقيت وحده يثير أسئلة يصعب تجاهلها. لماذا تحولت قضية كانت قيد المتابعة إلى قرار بالإبعاد في ذروة المواجهة بين المحكمة وإسرائيل؟ ولماذا أصبح الرجل الذي كان يُقدَّم بوصفه رمزًا للعدالة الدولية، عبئًا على المؤسسة فور اقترابه من أكثر الملفات حساسية؟
أن نقطة التحول في مسيرته جاءت بعد قراره بملاحقة القيادة الإسرائيلية. وفي السياسة، كثيرًا ما تكون الوقائع المعلنة شيئًا، والدوافع الحقيقية شيئًا آخر.
لقد أثبت التاريخ أن القوى الكبرى لا تحتاج دائمًا إلى إسكات خصومها بالقوة، أحيانًا يكفي أن تُحاصرهم بالضغوط، وتُضعف مكانتهم، وتُفقدهم القدرة على الاستمرار. وعندما يتعلق الأمر بإسرائيل، فإن حدود القانون كثيرًا ما تصطدم بحدود النفوذ.
إن القضية اليوم ليست قضية كريم خان وحده، بل قضية المحكمة الجنائية الدولية نفسها. فإذا كان المدعي العام الذي يقترب من ملفات تمس القوى الكبرى ينتهي خارج منصبه، فكيف يمكن إقناع العالم بأن العدالة الدولية مستقلة عن موازين السياسة؟
قد يكون كريم خان غادر منصبه بقرار رسمي عنوانه «سوء السلوك»، لكن في نظر كثير من المراقبين سيبقى السؤال مفتوحًا: هل كانت تلك هي التهمة التي أسقطته فعلًا، أم أن تهمته السياسية كانت أنه وضع اسم بنيامين نتنياهو في دائرة المساءلة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تُكتب في بيانات المحكمة، بل سيكتبها التاريخ… عندما تهدأ العواصف، وتنكشف الحقائق التي لا تُقال في حينها.
أضف تعليق