قراءة في نقد الهوية المصطنعة للبصريين.

الدكتور محمد عطوان.. 
قراءة في نقد الهوية المصطنعة للبصريين.

يسعى الباحث الدكتور محمد عطوان للحفر في طبيعة أهل البصرة، المجتمع الذي ولد وعاش فيه حتى أنجز كتابه (أصل الطيبة.. نقد الهوية المصطنعة للبصريين)، الصادر مؤخراً عن (دار سطور) في بغداد. عطوان، الذي عمل على الاستعمال الأيديولوجي للثقافة، ومن ثم قراءة صور الآخر في الفكر السياسي العربي المعاصر، وتحولات السلطة في المدينة العراقية الحديثة، حاول تحليل عدد من البنيات المؤسِّسة لمجتمعه، ولاسيما ما يُعرف بـ(الطيبة) التي عُرف بها البصريون، في كتاب يقترب من التحليل الثقافي والحفريات الاجتماعية الحديثة.

صورة نمطية

كانت لـ محمد عطوان دوافع عدة للخوض في هذا الموضوع، من أهمها الصورة النمطية التي كان زملاؤه من المدن الأخرى يرونه بها، وحديثهم عن طيبته كبصري، هو وبقية البصريين. وقد كان يتأمل ذلك ولا يجد في نفسه شيئاً يميزه عن غيره، فكان يرى أن هذا الوصف لا ينتمي إليه تماماً، وأنه يضعه في قالب سلوكي زائف لا يطابق الواقع.

وفيما إذا كانت الطيبة صفة مزروعة في جماعة دون أخرى، يرى عطوان أن ما نُسب إلى البصريين من وصف الطيبة هو إنشاء بلاغي عام صدر من جهة ما، وليس وصفاً واقعياً يمكن القياس عليه. فهذا الوصف لم يوضح صورتهم، بل أسهم في تشويهها، وأصبح قبول [هذا الوصف] قبولاً لرأي بلاغي مرسل يقوم على المجاز، لا على توصيف اجتماعي دقيق. ومن الممكن إطلاق هذا الوصف على آخرين ليسوا بصريين أيضاً، ما دام لا يطابق الواقع بصورة واضحة، وحتى لو طابق بعض الجوانب فإنه يبقى وصفاً منقسماً على نفسه وغير قابل للتحديد في الأصل.

مدينة مهاجرين
البصرة مدينة تطل على ميناء يستقبل البحارة والتجار منذ نشأتها وحتى سبعينيات القرن الماضي، وبرغم هذا التنوع في سكانها وطبيعتها البحرية، لكن ظهرت مؤخراً فكرة (البصريين الأصليين)، وهي بعيدة عن تكوين هذه المدينة. وفي هذا يقول عطوان إن البصرة كانت ميناءً رئيساً يشرف على معظم التجارة المقبلة من أوربا والهند إلى الخليج، وكانت شركات الملاحة تفضّل التوجّه إليها، فكانت أبوابها مفتوحة أمام الوافدين، بحكم موقعها الذي يربط بين الهند وجزيرة العرب وفارس والمقاطعات العثمانية. وقد أدى ذلك إلى تداخل اجتماعي وثقافي واسع، ووجود جماعات متعددة من التجار والوافدين، مثل: البلوش، والهنود، والدربنديين، والبحارنة، والقطارنة، والحساوية، والزنج، إلى جانب القبائل العربية. لذلك لم تكن متجانسة بالكامل.
في حين يعود الحديث عن الأصالة إلى السياسات العثمانية والبريطانية التي منحت امتيازات لبعض الأسر المحلية المتنعمة، يبرز إسناد المناصب العليا لأفراد يُدّعى انتسابهم إلى أسر “عريقة”.
 هذه الفكرة اكتسبت قوتها من احتكار قلة قليلة للمعرفة والمعلومات، مقابل حرمان الأغلبية منها، مما خلق تصورًا زائفًا عن طبقة “الأصيلين”. لذلك فإن معظم من اختير للسيادة كان مدفوعًا بهواجس ذاتية لتحقيق مصالح حصرية مع السلطات العليا.
هذا الاستعداد الغريزي كان يدعم شيوع الرواية المنتقاة والتاريخ السياسي المختزل لجماعات معينة دون غيرها، فتكون “الأصالة” التي أُريدت روايةً معتمدة لهذه الطبقة أو تلك، يقرّرها العقل الحاكم من الأعلى.
الأصالة لا السيادة
في كتابه، يشير عطوان إلى أن البصريين جُرّدوا من حكم مرتبط بفكرة الأصالة، لا بالسيادة بمعناها السياسي الكامل. فقد كانت الجماعات البصرية الهامشية تُقاد عبر أسماء محلية منحتها السلطة العثمانية أو البريطانية امتيازات خاصة لإدارة البصرة، لكنها كانت تسود في موقع اجتماعي أدنى من سلطة المركز في إسطنبول وبغداد. وهؤلاء الذين سُمّوا “أصيلين” هم في الأصل نتاج قرار سلطوي أراد فرض تصور معين عن أصولهم الفعلية.

الدكتور محمد عطوان يلخص فكرة الكتاب بقوله: ما أريد تأكيده هو أن الدراسات التقليدية ركزت على النخب، وتجاهلت البنية الاجتماعية العميقة للفئات المهمشة، وأن الذاكرة الانتقائية أسهمت في إنتاج سرديات زائفة كرّست هيمنة رمزية لما يسمى “الأصيلين”. وقد وقع في هذا الالتباس كثيرون، ومنهم مثقفون، لأن الاعتماد على التذكر العاطفي بدل التحليل التاريخي الدقيق يُضلل. ومن هنا تأتي الحاجة إلى مقاربات بديلة تدرس السياقات الاجتماعية والثقافية المهمشة، بعيدًا عن التعميمات الطبقية.

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.