مضيق هرمز: حنجرة العالم التي تخنقها السياسة الجيوسياسية
مضيق هرمز: حنجرة العالم التي تخنقها السياسة الجيوسياسية
بين تلال عمان وجبال إيران الوعرة، يمتد ممر مائي ضيق لم يتجاوز عرضه في أضيق نقطة 34 كيلومتراً، ولكنه يحمل وزناً سياسياً واقتصادياً ينوء به العمالقة. مضيق هرمز ليس مجرد جغرافيا، بل هو الشريان الأبهر الذي يغذي الاقتصاد العالمي بنحو خُمس إمدادات النفط المنقولة بحراً. ومع ذلك، تحول هذا الممر، عبر عقود من الصراع القائم على "هيمنة إيران"، إلى مصيدة محتملة ومقبرة مجازية (وأحياناً حقيقية) للسفن.
هيمنة إيران: السيطرة فوق الماء وتحته
تعتبر إيران مضيق هرمز منطقة نفوذ حيوية، وتستخدم السيطرة عليه كورقة تفاوض وضغط استراتيجي في مواجهة العقوبات الغربية والصراعات الإقليمية. إن الهيمنة الإيرانية على هذا الممر لا تقتصر على السفن الحربية الظاهرة؛ بل تمتد إلى استراتيجية عسكرية هجينة:
الفصائل المسلحة والقوارب السريعة: نشر أسراب من الزوارق السريعة المسلحة القادرة على تنفيذ هجمات سريعة وخاطفة على الناقلات العملاقة، مما يخلق بيئة من عدم الاستيقان.
حرب الألغام: إن زرع الألغام البحرية الذكية، التي يصعب اكتشافها، يحول قاع المضيق إلى حقل ألغام مميت يهدد الملاحة التجارية.
قدرات استهداف الصواريخ: توفر الجبال المطلة على المضيق قواعد محصنة لمنظومات صاروخية ساحلية قادرة على استهداف أي سفينة تعبر الممر.
"مقبرة السفن": تجليات الصراع
إن لقب "مقبرة السفن" ليس وليد الصدفة، بل هو تراكم لحوادث كثيرة جسدت ذروة التوتر الجيوسياسي:
حرب الناقلات (الثمانينيات): شهدت تلك الحقبة هجمات متبادلة على مئات الناقلات، مما أدى إلى غرق أو تضرر مئات السفن وخسائر بشرية فادحة، مجسدة فعلياً معنى "المقبرة البحرية".
استراتيجية الاحتجاز: إن احتجاز إيران لناقلات نفط (مثل "ستينا إمبيرو") كرد على احتجاز ناقلاتها أو فرض العقوبات، يعيد التأكيد على أن الممر هو ساحة قتال سياسي وليس مجرد طريق تجاري.
هجمات "الأذرع": إن استخدام إيران لوكلائها الإقليميين (مثل الحوثيين في اليمن) لتهديد الملاحة، وإن كان خارج المضيق مباشرة، يضيف بعداً أمنياً خطيراً يهدد كل سفينة تقترب من المنطقة.
ترامب والضغط الأقصى: المضيق تحت الحصار
لقد وصلت ذروة استعراض القوة الإيرانية في المضيق خلال فترة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وسياسة "الضغط الأقصى". لقد ردت طهران على العقوبات المشددة باستهداف الناقلات (كما حدث في خليج عمان عام 2019) وإسقاط طائرة مسيرة أمريكية فوق المضيق، مما أظهر للعالم أن "هيمنة إيران" على هرمز هي خط دفاعها الأول والأكثر فعالية.
الخلاصة: الممر الرهينة
إن مضيق هرمز سيبقي، في ظل "هيمنة إيران" الحالية وطموحاتها الإقليمية، "مقبرة للسفن" ليس بمعنى تراكم الحطام المادي، بل بمعنى أنه منطقة "رهينة" سياسية. كل ناقلة نفط تعبر هذا الممر، تحمل معها ليس فقط الخام، بل تحمل أيضاً مخاطر صراع جيوسياسي قد ينفجر في أي لحظة، مما يجعل من هذا المضيق الضيق واحداً من أخطر بقاع الأرض، حيث يتقاطع فيه الاقتصاد العالمي مع أدوات القوة والهيمنة الإقليمية.
الكاتب الصحفي والحقوقي كرار الكعبي
أضف تعليق